قال معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي (IFA) إن مصر توقفت عن قتال إثيوبيا عند سد النهضة وبدأت قتالها في محيطها الإقليمي، فيما تقوم الأخيرة بتنظيم موقفها على ضوء هذا التحرك.
وفقًا لهذه الرؤية، فإن أديس أبابا تنطلق حاليًا من فرضية مفادها أن مصر قد تحولت من النزاع المباشر مع إثيوبيا على النيل إلى تطويقها عبر استراتيجية محيطية منسقة ترتكز على أسمرة وبورتسودان ومقديشو.
وأضاف: "هذا ليس نزاع سد النهضة الإثيوبي الذي دار بين عامي 2011 و2020، والذي تم فيه توجيه الضغط المصري عبر مفاوضات ثنائية حول المياه ووساطة ثلاثية. بل هو موقف مختلف هيكليًا".
وأشار إلى أن ذلك يتمثل في محاولة تطويق إثيوبيا عبر جيرانها، لحرمانها من مقعد في بنية الأمن الناشئة في البحر الأحمر، من خلال اتفاقيات دفاعية ونشر القوات ودبلوماسية حوض النيل التي تتجاوز إطار الاتحاد الأفريقي.
نقطة التحول
وذكر معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي أن نقطة التحول حدثت في عام 2023. فقد أدى انهيار المسار الثلاثي لمشروع سد النهضة، واندلاع حرب السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى إزالة الإطارين المؤسسيين اللذين استوعبا التوتر بين القاهرة وأديس أبابا لعقد من الزمان.
ومع امتلاء السد واستنفاد المفاوضات، قال إنه لم يكن أمام القاهرة سوى خيارين: إما قبول الواقع الهيدرولوجي، أو مواجهة إثيوبيا على أرضية مختلفة. وقد اختارت الأرضية المختلفة. فمنذ عام 2023 فصاعدًا، بدأت الدبلوماسية المصرية في إعادة تصعيد الضغط على إثيوبيا عبر العواصم المجاورة التي لديها مظالم استراتيجية ضد أديس أبابا، وقد وفرت حرب السودان الفرصة الجيوسياسية التي جعلت عمليات إعادة التصعيد هذه فعّالة.
تاريخيًا، أوضح التحليل أن موقف القاهرة المعارض لسد النهضة كان عموديًا: ضغط ثنائي مباشر على السد نفسه، بوساطة واشنطن والخرطوم والاتحاد الأفريقي. لكن هذا الموقف فشل لأسباب هيكلية- إذ أدى إنجاز إثيوبيا للسد عام 2023 إلى تقادم النفوذ الثنائي - وتحملت القاهرة تبعات هذا الفشل. وما تلا ذلك كان إعادة تموضع أفقية: فبدلاً من الضغط بقوة أكبر على السد، بدأت مصر في حشد نفوذها على طول محيط إثيوبيا.
استراتيجية إقليمية مصرية
وعلى ضوء هذا التوجه، رأى التحليل أن قضية النيل لم تختفِ، بل نُقلت إلى سياق آخر. فهي الآن جزء من استراتيجية إقليمية مصرية أوسع نطاقًا، تركز أهدافها التشغيلية على منفذ إثيوبيا الساحلي، وحدودها الشمالية، وعمقها الأمني الشرقي، بدلاً من السد نفسه.
وأبرز أربع تحركات رئيسة في هذا الإطار خلال العامين الماضيين:
أولًا: أدخل بروتوكول التعاون الدفاعي المصري الصومالي، الموقع في أغسطس 2024، القوات والمعدات المصرية إلى مقديشو في إطار بديل لآلية الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (ATMIS)، مما جعل القاهرة ضامنًا أمنيًا على الجبهة الشرقية لإثيوبيا لأول مرة في التاريخ الحديث.
ثانيًا: تكثفت العلاقات المصرية مع أريتريا خلال عامي 2024-2025، مع تبادلات دبلوماسية وعسكرية رفيعة المستوى موثقة، تشير إلى تفاهم بين القاهرة وأسمرة يهدف، كحد أدنى، إلى تنسيق الموقف على البحر الأحمر ودعم الطموح البحري الإثيوبي.
ثالثًا: تحالفت القاهرة دبلوماسيًا مع بورتسودان منذ بداية حرب القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، موفرةً غطاءً سياسيًا للقوات المسلحة السودانية، ومدمجةً نفسها في مسار تسوية السودان، بما يضمن لمصر وجودًا دائمًا على الحدود الغربية لإثيوبيا بغض النظر عن نتيجة الحرب.
رابعًا: عملت القاهرة خلال عامي 2025-2026 على ترسيخ إطار أمني للبحر الأحمر- نوقش بشكل أساسي من خلال مسار جدة بين المملكة العربية السعودية ومصر وبعض الدول الساحلية - والذي، يهدف لاستبعاد إثيوبيا من أي دور مؤسسي في البحر الذي يحدها بأقل من مائة كيلومتر.
وبحسب التحليل، فإن ما تراه أديس أبابا، عند ربط هذه التحركات الأربعة معًا، ليس سلسلة من العلاقات الثنائية المصرية، بل قوسًا متكاملًا واحدًا- قوس تطويق القاهرة- يمتد من النيل عبر ساحل البحر الأحمر وصولًا إلى ساحل المحيط الهندي.
وقال إن هذا القوس يتميز بثلاث سمات هيكلية تميزه عن نزاع حقبة سد النهضة، فهو متعدد الأوجه بدلًا من كونه ثنائيًا، مما يعني استحالة نزع فتيله عبر أي قناة تفاوضية منفردة. كما أنه مؤسسي من خلال اتفاقيات دفاعية وأطر أمنية بدلًا من التعبير عنه عبر احتجاجات دبلوماسية، مما يعني استمراريته حتى بعد انتهاء أي حكومة مصرية بعينها.
وأشار إلى أنه يلتف عمدًا حول أطر الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) التي تحتفظ إثيوبيا فيها بنفوذ، مما يعني أنه صُمم مع مراعاة نقاط القوة الدبلوماسية الحالية لإثيوبيا، وبُني لتحييدها.
الموقف الاستراتيجي الإثيوبي
وأبرز المعهد الموقف الاستراتيجي الإثيوبي في هذا الصدد الذي يتألف من أربعة عناصر تشغيلية، ولا تتضح معالمها إلا عند قراءتها في سياق قوس التطويق المصري، لا في سياق أي تحرك مصري منفرد.
أولها: هو اختراق الحدود البحرية: مذكرة التفاهم الموقعة في يناير 2024 مع أرض الصومال. الاستكشاف الموازي للترتيبات في بربرة وعصب. الإشارة الأوسع نطاقًا إلى أن إثيوبيا ستقبل بتوافق متعدد الأطراف مخفف لتأمين وصول مباشر إلى السواحل. لا يمكن فصل هذا التوجه البحري عن قوس التطويق المصري، بل هو الرد المباشر عليه.
ثانيها: تعميق الشراكات الإثيوبية مع الإمارات العربية المتحدة وتركيا وإسرائيل، وهي شراكات تشترك في كونها توفر لأديس أبابا عمقًا أمنيًا يصعب على القاهرة بلوغه أو محاكاته، لا سيما في أنظمة الطائرات المسيرة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والسيطرة على البحر الأحمر.
ثالثها: التوطيد العملياتي لتسوية أوضاع إقليم تيجراي، لأن عدم حسم الحدود الشمالية يحول قوس التطويق من مشكلة استراتيجية إلى مشكلة بقاء. لا تستطيع أديس أبابا مواجهة استراتيجية مصرية للسيطرة على محيطها ما دامت جبهتها الشمالية مفتوحة.
رابعًا: التوسع المطرد لدبلوماسية إثيوبيا في حوض النيل بما يتجاوز الإطار الثلاثي، بما في ذلك استمرار التواصل مع الدول الموقعة على اتفاقية الإطار التعاوني، الأمر الذي يحرم القاهرة من القدرة على عزل إثيوبيا ضمن إطار مصر-السودان-إثيوبيا حصرًا.
وقال معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي إن السؤال الاستراتيجي لا يكمن في ما إذا كان قوس الحصار الذي تفرضه مصر سيصمد، فهذا يعتمد على متغيرات خارجة عن سيطرة إثيوبيا، بما في ذلك مسار الحرب السودانية، واستمرار الوجود المصري في الصومال، والاستقرار الداخلي لإريتريا. بل يكمن السؤال الاستراتيجي في ما إذا كان بإمكان أديس أبابا إتمام التصميم الجغرافي المضاد قبل أن يغلق القوس.
ورأى أن الملف البحري يعد هو العنصر الأساسي، فبدون منفذ ساحلي، تواجه إثيوبيا قوس الحصار دون مخرج؛ ومع وجوده، يتحول القوس إلى جهد احتواء تستطيع إثيوبيا استيعابه والتغلب عليه. لن تُحسم الأشهر الاثني عشر القادمة عند السد، بل ستُحسم على الساحل.
https://www.ifa.gov.et/2026/05/26/egypts-encirclement-arc-ethiopias-strategic-posture-in-the-nile-to-red-sea-theatre/

